أبو الليث السمرقندي

411

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ابْتَدَعُوها يعني : الرهبانية ، والخروج إلى الصوامع ، والتبتل للعبادة ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ يعني : ما أوجبنا عليهم ، ولم نأمرهم إلا ابتغاء رضوان اللّه . يعني : أمرناهم بما يرضي اللّه تعالى لا غير ذلك . ويقال : ابْتَدَعُوها لطلب رضى اللّه تعالى فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها يعني : لم يحافظوا على ما أوجبوا على أنفسهم . ويقال : فما أطاعوا اللّه حين تهودوا ، وتنصّروا . قال اللّه تعالى : فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ في الآخرة وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ يعني : عاصين . وهم الذين تهودوا . وفي هذه الآية دليل وتنبيه للمؤمنين أن من أوجب على نفسه شيئا ، لم يكن واجبا عليه أن يتبعه ، ولا يتركه ، فيستحق اسم الفسق . وروي عن بعض الصحابة أنه قال : عليكم بإتمام هذه التراويح ، لأنها لم تكن واجبة عليكم . فقد أوجبتموها على أنفسكم فإنكم إن تركتموها صرتم فاسقين ثم قرأ هذه الآية وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ . [ سورة الحديد ( 57 ) : الآيات 28 إلى 29 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 28 ) لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 29 ) ثم قال عز وجل : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ يعني : أطيعوه فيما يأمركم به ، وفيما ينهاكم عنه ، وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، يعني : اثبتوا على الإسلام بعد نبيكم محمد صلّى اللّه عليه وسلم ويقال يا أيها الذين آمنوا بعيسى ابن مريم : آمنوا باللّه ورسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلم يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ يعني : أجرين من فضله ، ويقال : لما نزلت في أهل مكة أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ [ القصص : 54 ] ، حزن المسلمون ، فنزل فيهم يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وأصل الكفل النصيب ، يعني : نصيبين من رحمته ، أحدهما : بإيمانه بنبيه قبل خروج النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، والآخرة الإيمان بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم . ثم قال عز وجل : وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ يعني : يجعل لكم سبيلا واضحا تهتدون به ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ يعني : يغفر لكم ذنوبكم ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ يعني : يغفر الذنوب للمؤمنين رَحِيمٌ بهم ، لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ولا مؤكدة في الكلام ، ومعناه لأن يعلموا أنهم لا يقدرون على شيء من فضل اللّه ورحمته ، يعني : مؤمني أهل الكتاب ، يعلمون أنهم لا يقدرون من فضل اللّه إلا برحمته لا برحمته ، وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يعني : الثواب من اللّه تعالى يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ من كان أهلا لذلك من العبادة وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ يعني : هو المعطي وهو المانع واللّه أعلم بالصواب .